فخر الدين الرازي

23

تفسير الرازي

إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار ، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم . ثم قال تعالى : * ( فلنقصن عليهم بعلم ) * والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم ، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال ، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائباً عن أحوالهم بل كان عالماً بها . وما خرج عن علمه شيء منها ، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان عالماً بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي ، والمحسن عن المسئ ، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالماً بالجزئيات ، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمراً ناهياً مثيباً معاقباً ، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالماً بجميع المعلومات . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( فلنقصن عليهم بعلم ) * يدل على أنه تعالى عالم بالعلم ، وأن قول من يقول : إنه لا علم لله قول باطل . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : * ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) * وبين قوله : * ( فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) * ( الرحمان : 39 ) وقوله : * ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) * ( القصص : 78 ) . قلنا فيه وجوه : أحدها : أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال ، وعن الصوارف التي صرفتم عنها . وثانيها : أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى : * ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم ) * ( يس : 60 ) قال الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا ( c ) إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لا يسأل أحداً لأجل الاستفادة والاسترشاد ، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * ( الصافات : 27 ) ثم قال : * ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) * ( المؤمنون : 101 ) فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضاً ، والدليل عليه قول : * ( فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ) * ( القلم : 30 ) وقوله : * ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) * ( القلم : 30 ) معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضاً على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام . والوجه الثالث : في الجواب : أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال ، وعن بعضها بعدم السؤال .